د. هبة قطب أستاذة الصحة الجنسية والاستشارات الزوجية
حقا إن الأوقات الجميلة تمر سريعاً، لقد أوشك الشهر الكريم الفضيل على الانتهاء، لو كان الأمر بيدي أو بيد أي منا لجعلنا السنة كلها رمضان، أو على الأقل ثلاثة أرباعها، ولكن سبحان الله، ولحكمته نستسلم، وربما لو كان أكثر من شهر لما كانت الطاعة والعبادة بهذه الكثرة وما كان الإقبال عليها بهذا الغنى فالله هو الأعلم بخلقه، وبكل مخلوقاته، وخاصة الإنسان الذي حمله سبحانه وتعالى تلك المسئولية الكبيرة، وهذه الأمانة العظيمة، وفي المقابل حساب مهيب، ثواب وعقاب، جنة (أطعمنا الله إياها) ونار (نعوذ بالله أن نكون من أهلها).. عودة إلى الرسالة التي وصلتني على إيميلي الشخصي والتي تواعدنا على عرضها عليكم هذا الأسبوع والتي استوقفتني لعلاقتها بهذه الأيام الكريمة والتي يجب أن نستثمرها ونأخذ أحسن ما فيها...
أنا شاب أبلغ من العمر 23 عاماً، أعيش في أطراف قطاع غزة بفلسطين المحتلة، وكما تعلمين يا دكتورة أن الحال لدينا ليس على ما يرام، بل لا يوجد ما يثير السعادة في القلوب، ولكن الدمار في كل شيء وفي كل الأنحاء، وعدم الأمان، والكهرباء المقطوعة دائماً، والمياه النادرة، فضلاً عن الانفجارات والاعتقالات التي يعلمها الجميع..
فكان من الطبيعي أن يحتجب شاب مثلي عن المتعة وعن أي شيء يبعث في نفسه أي نوع من السعادة في وسط هذا القهر في كل الأنحاء...
فكانت بدايتي بعد بلوغي مباشرة وتحديداً في سن الخامسة عشرة مع العادة السرية بحثا عن المتعة الوحيدة المتاحة لوجودي وحيداً لوقت طويل في المنزل، وكان يخدمني في ذلك إطلاق العنان لخيالاتي، فكنت أسرح في قصص وروايات وحكايات لها بطلات جميلات مع انبعاث أصوات الرومانسية والموسيقى التصويرية وصوت العصافير وعزف الكمان وليس أصوات الصواريخ وأقدام الجنود المعتدين والبيوت التي تهدم على أصحابها ليس لشيء إلا لأن أحد أفراد سكانها أقدم على جريمة الدفاع عن أرضه.. فاندفعت إلى هذه الحالات الخيالية، وأطلت فيها، وكنت أنتظر بصبر نافذ خلو البيت عليّ لأقوم بذلك، وحتى أثناء وجودي بالمدرسة كان الوقت يمر عليّ كالدهر حتى أعود إلى البيت وأغلق غرفتي على نفسي وأندفع إلى جنتي التي أجد فيها الجانب المشرق الوحيد والنقطة المضيئة الوحيدة داخل هذا الظلام الدامس، ومنذ ذلك الحين أدمنت العادة السرية حتى صرت أقوم بها نحو 7 إلى 10 مرات يوميا، واستمر هذا الحال لمدة حوالي أربع سنوات، ولم أكن أعلم خلالها أن العادة السرية تستوجب الاغتسال فكنت أقوم بها وأصلي بوضوء عادي.. ثم حين علمت ذلك كنت مضطراً أن أهجر بعض الصلاة حيث لم يكن يتسنى لي الاغتسال دائماً في مواقيت الصلاة نظرا للانقطاع الدائم للمياة والكهرباء كما أوضحت...
وقد اكتشفت أنني إنسان شهواني وأن رغبتي جامحة أكثر من الشباب في مثل سني، أما ما أعاني منه الآن فهو استمرار جموح شهوتي حتى في أثناء نهار الشهر الكريم بالرغم من الحقيقة التي أقرها الحديث الشريف بأن الصيام يقلل من الشهوة، ولكن الوضع بالنسبة لي مختلف تماماً، فالشهوة كما هي، والخيالات الخصبة كما هي، وربما هي أكثر في رمضان بسبب نهار العمل القصير، مما يتسبب أحياناً في أن يفيض بي الكيل وأضطر أن أقوم بالعادة السرية لأتخلص من هذه الرغبة التي تتسلط علي بشكل لا إرادي...
وسؤالي هو ماذا أفعل حيال كل هذه المشاعر القوية غير القابلة للتصدي حتى أستطيع أن أتم صيامي في هذا الشهرالفضيل؟ ولماذا لا تخمد شهوتي أثناء الصيام؟ هل أنا غير من هم دوني من الشباب؟ أفيديني يا سيدتي أفادك الله...
أنا تجربتي العملية تعتبر تجربة رأسية وليست أفقية، بمعنى أنها ربما ليست طويلة العمر، ولكنها متنوعة وغنية كما أزعم، ومع توءمة هذه التجربة وتلك الخبرة العملية مع العلم والقراءات المختلفة والدراسات التحليلية، بدأت أعرف محتوى القصص والغرض منها، من أول سطورها، وهذا ما حدث في هذه الرسالة، ولأنقل ما أقصد لقرائي الأحباء في النقاط التالية:
1- بدأ صديقنا الشاب رسالته، بل إنه أمضى ثلثها تقريبا في عرض أشياء موجعة للقلب ودامعة للعيــن وكاسرة للأفئدة التي منّ الله عليها بنعمة الإحساس، واسترسل بكل التفاصيل في مبررات لا نهـاية لها، بل.. لا حل لها... وذلك له معنى ومغزى واحد، أنه سيتبـع ذلك كله بخـطأ كبير يرتكبـه ولم يـقم ولا ينوي القيام بأي جهد للإقلاع عنه..
2- اتخذ هذا الشاب لهجة واحدة طوال رسالته التي روى لنا فيها أحداثاً استمرت لمدة 8 سنوات، وهي لهجة الخنوع والمسكنة طلباً واستدراراً لتعاطـفي معه، ولكـن هيـهات، فأنـا – ومـثـلي كثيـرون – قد اتخذت الاتجاه المعاكس تماماً وامتلأت غيظاً من هذا الشاب، فنحن أمة عربية قوية، وإسلامية ثابتة، لنا كرامة وكبرياء يجب أن نضحي من أجلها بالغالي والنفيس.
3 – حين بدأ هذا الشاب يتحـدث عن جرائمة المتعاقبة في حق الله وفي حق نفـسه وجــدناه قد ركـن إلى أحط ما يكون من حجج طلباً لشيء واحد، هو تبرير ضعف نفسه أمــام إحدى الكبائر، وقد نسي أنه هو الذي يسعى لتلك الخيالات ويفصلها تفصيلا ويعيش فيها وفي أحــضان أبطالها – أو بالأحـرى بطلاتها– مما أنساه حق الله في كل وقــت عامة وفي هذا الشـهر الفضيل خاصة، فما هذا التراخي والتكاسل والخنوع؟! وما هذا الاستسلام والاكتفاء بالبكاء والعويل؟!
انظر حولك أيها الشاب وانظر إلى جيرانك الذين تهدمت بيوتهم لأن فيهم شاب في مثل سنك –وربما أصغر– وقد اختار طريق المقاومة والدفاع عن أرضه، ولم يأبه بمصير أهله ولا بيته.. إن ما أعرفه يقيناً أن البيت الفلسطيني بيت شريف ومقاتل ومدافع عن أرضه، وإن العائلة التي ليس بها شهيد أو فرد من المقاومة لا ترفع رأسها عن الأرض، فإذا قسنا هذا الواقع المر الذي وصفته أنت في رسالتك بكل دقة تروي لنا ضعف أعصابك ولكنه ليس الضعف الإنساني التقليدي، ولكنه ضعف من النوع البذيء والمقزز، أفق أيها الشاب...
ما هذه الرفاهية التي تعيش فيها؟ هل اكتفيت بالشكوى والهروب إلى خيالات جنسية من صنع الشيطان أنستك ذكر الله وحقه؟ ألم تتعلم من المقاومة الفلسطينية الباسلة أن تجاهد بأي شيء ولو بإراداتك الحرة –أو المفترض بها أن تكون حرة وليست أسيرة لتلك الأهواء من صنع شيطان نفسك– كفاك تبريراً وواجه حقيقة أنك ضعيف ضعيف ضعيف... مازال أمامك العشر الأواخر الخاصة بالعتق من النار، والتي وعد الله العاملين فيها بهذه النعمة الكبيرة، ولكن العاملين بحق، وليس الذين يبحثون عن الشماعات في كل مكان لتعليق "خيبتهم " عليها... هذا هو النداء الأخير لك، وإلا فلا تلومن إلا نفسك.
انفض عنك هذا الضعف والخنوع، وارجع وتب إلى الله واستغفره واسأله قبول توبتك النصوح، وحاول اللحاق بالباب المتسع الذي سيصبح أقل اتساعاً مع نهاية هذا الشهر الفضيل الكريم، وأخيراً أحب أن أنهي رسالتي بقول ربما يكون قاسياً، ولكني سأقوله عله يكون تذكرة لك، لقد وصف الله المؤمنين في مواضع كثيرة في القرآن بصفات عديدة، ولم يكن فيها أبداً تلك الصفات السلبية الموجودة فيك –حتى الآن– ولكن أتعلم بمن التصقت هذه الصفات؟ باليهود.. نعم باليهود يا صديقي، بالقوم الذين تعاني منهم ونعاني جميعاً معك وتكرههم ونكرههم معك... فهل من وازع أكبر من ذلك حتى تعود إلى زمرة المؤمنين؟!
قال تعالى في كتابه العزيز: "وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون".
البقرة (61)
"ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون".
آل عمران (112)
|